CSS Mac Dock

الوقت هو جزء من حياتك. والذي يضيع وقته، إنما يضيع جزءا من حياته. والذي يقضي وقته في تفاهات، بلا شك أن حياته تافهة في نظره، لم يستفد منها، ولا أفاد غيره، لأن وقته لم يكن ذا فائدة لأحد!
لقد منحك الله الوقت لهدف، هو هدف الحياة ذاتها. لذلك فالذي يبعثر وقته، بدون أي هدف بناء، يكون وقته رخيصا في عينيه. وبالتالي تكون حياته رخيصة عنده، وعند الناس!
إن عظماء الرجال الذين سجل التاريخ اسماءهم، هم الذين استغلوا وقتهم في بناء أنفسهم، وفي بناء المجتمع الذي عاشوا فيه. بل امتد نفعهم إلي أجيال طويلة أتت بعدهم. وذلك بما تركوه من تراث فكري أو علمي، كان نتيجة لاستخدام وقتهم في الخير والنفع..
كذلك طلاب العلم الذين نبغوا، هم الذين استفادوا من وقتهم في الدرس والاستذكار، فتفوقوا وبنوا لأنفسهم مستقبلا مرموقا، بعكس زملائهم الذين ضاع وقتهم هباء، وضاع معه مستقبلهم!
ما أعجب الوقت، اسأل نفسك هل هو معك أم ضدك؟ لك أم عليك؟!

ومن المهم لكل أحد: التوازن في توزيع الوقت..
لأن البعض يركزون وقتهم في أمر معين يهتمون به، بينما يهملون أمورا أخري لايمنحونها نفس الأهمية!
أما الإنسان الحكيم، فإنه يوزع وقته بعدل ففيما هو يعطي وقته لمسئولياته الرسمية، يعطي وقتا اخر لأسرته فيهتم بها، ووقتا آخر لصحته، ووقتا لتثقيف نفسه وتنمية معلوماته، ووقتا لبعض الخدمات الاجتماعية. ولامانع من وقت كذلك للرفاهية المقبولة، حتي لاتكون حياته شدا مستمرا بدون راحة أو أي جانب من الاسترخاء ‘Relax’. وقد وهبنا الله يوما في الأسبوع للراحة.

وفي توزيع الوقت، لابد من جانب يخصص للعبادة..
يقضيه، الإنسان في الصلاة والخشوع، وفي القراءة الروحية والتأمل، وفي التسبيح والترتيل، لأن حياته الروحية هي أيضا جزء من مسئوليته تجاه نفسك، وهي لازمة لعلاقته بالله تبارك اسمه..
وأنا ضد المثل القائل ‘ساعة لقلبك وساعة لربك’!!
ذلك لأن هذا المثل فيه فصل بين القلب والرب! وكأن الساعة التي يعطيها الإنسان لقلبه، يكون فيها بعيدا عن ربه!! والوضع السليم أن الإنسان فيما يعطي ساعة لقلبه، يكون في نفس الوقت مرضيا لربه. وأيضا فيما يعطي ساعة لربه، يكون سعيدا بذلك في قلبه..

وفي توزيع الوقت، ينبغي الاحتفاظ بالنسب سليمة:

فلا تطغي نسبة منها علي نسبة أخري. فمثلا لايكون الوقت الذي تقضيه مع ربك، قليلا في مدته، وسطحيا في اهتمامه، بلا عمق! فأنت محتاج بالضرورة إلي وقت من الهدوء والسكون لأجل روحياتك، تحاسب فيه نفسك علي ما فعلته من أخطاء، وتقدم فيه توبة لله..

كذلك عليك أن تراعي النسبة بين الوقت الذي تمنحه لنفسك، والوقت الذي تبذله لأجل غيرك. ومن النبل أن تضحي بوقت مناسب لخدمة الآخرين. وثق انه محفوظ لك عند الله والناس..

وما أجمل قول سليمان الحكيم: لكل شيء زمان، ولكل أمر تحت السموات وقت..
طبعا، كل أمر ينبغي عمله في الوقت المناسب له. فللحزن وقت، وللضحك وقت. للجد وقت، وللهو وقت. كما انه للكلام وقت، وللسكوت وقت. والإنسان الحكيم لايسكت حين يجب الكلام، ولا يتكلم حين يحسن الصمت..
وكمثال: علي الزوجة ألا تكلم زوجها في أمر مهم تريده، في وقت يكون فيه مشغولا أو مرهقا، أو غير متفرغ لها، أو غير رائق في طبعه أو أعصابه. إنما تتخير الوقت المناسب..

هنا ونسأل ما هي أفضل الأوقات للإنتاج الفكري أو العملي؟
يختلف هذا الأمر من شخص لآخر، ولكنه علي أية الحالات يكون الوقت الهاديء هو أنسب الأوقات، سواء من جهة الهدوء الخارجي، أو هدوء النفس من الداخل..
البعض يناسبه الليل الهاديء الساكن بعيدا عن ضوضاء النهار. بينما البعض الآخر يناسبه الصباح الباكر، قبل أن تزحم ذهنه مشغوليات يوم جديد. والبعض يأخذ ايحاءه الفكري من أحداث تعرض أمامه تحمل في طياتها معاني معينة.
وعلي كل، لايخضع الفكر في إنتاجه لقاعدة تشمل الكل، بل كل شخص له ظروفه، كذلك الإنتاج الفني..

من جهة الوقت، يسأل البعض ايضا عن السهر والأرق وأسبابهما..
إن السهر غير الأرق. فقد يكون السهر عملا إراديا، بينما يكون الأرق هو عدم القدرة علي النوم. وربما يكون من أسباب الأرق، انشغال الفكر بما يتعبه، وكذلك انشغال النفس والأعصاب. وفي ذلك يقول المثل العامي ‘ينام الليل من له قلب خالي..’
ويري بعض الشعراء الذين كتبوا في الغراميات، أن تعب القلب في هذا الأمر يسبب الأرق. فيقول أمير الشعراء أحمد شوقي:
يا ليل الصب متي غده.. أقيام الساعة موعده
وذلك في قصيدته التي يقول فيها أيضا:
مضناك جفاه مرقده.. وبكاه ورحم عوده
وفي نفس المعني يقول أحد الشعراء:
لم يطل ليلي ولكن لم أنم.. ونفي عني الكري طيف ألم

وفي حديثنا عن الوقت، لايفوتنا الكلام عن مقاييس الوقت:
هناك مقاييس طبيعية يحددها الليل والنهار، وتوالي الفصول والسنين، بل تحددها أيضا الساعة والثانية..
علي أن هناك مقاييس أخري: منها الألم والملل. لاشك أن دقيقة واحدة من ألم لايجطاق، تكون أطول من ساعات عديدة في حالة الراحة..! إن الإحساس بالوقت في مقدار طوله، أو في حالة مروره وعدم مروره، تدخل فيه عوامل كثيرة جدا، بعضها نفسية أو مرضية..
والملل يجعل الوقت يمر طويلا ومتثاقلا، وكأنه لايتحرك! بينما أوقات الفرح والمتعة، تمر بسرعة دون أن يدري بها صاحبها ودون أن يحس.. كذلك أيام السعادة في حياة كل إنسان.
أما الوقت الذي ليس له مقياس، فهو الأزلية والأبدية:
الأزلية تعني ما لابداية له. والأبدية تعني ما لانهاية له. والأزلية خاصة بالله وحده. إنه الوحيد الأزلي الكائن قبل الأكوان كلها، وقبل أن يخلق المقاييس التي يقاس بها الزمان والوقت..
أما الأبدية فتكون في العالم الآخر، بعد القيامة العامة حيث لاتكون هناك نهاية للزمن. وعلي هذا فإن حياتنا إذا ما قيست بالأبدية تصبح لاشيء. فكل رقم إذا وجضع علي ما لانهاية، فإنه يؤول إلي صفر..
لذلك علي الإنسان أن يهتم بأبديته. فلا تغره سنوات قليلة أو كثيرة يقضيها علي هذه الأرض. ثم تواجهه بعد ذلك الأبدية، حيث لايقف معه فيها سوي عمل الخير الذي عمله أثناء حياته علي الأرض: الخير من جهة نقاوة قلبه وفكره وتصرفاته. والخير من جهة ما عمله نحو غيره.

لهذا كله علي كل إنسان أن يستفيد من وقته ليكون تمهيدا لمصيره في الأبدية. حتي يقف وقته شاهدا يدافع عنه أمام الله.. وفيما يهتم هنا بوقته ليكون نافعا. عليه أن يهتم أيضا بحرصه علي أوقات الاخرين، فلا يشغلهم بما يعطلهم.

بواسطة : Nardine

شاهد جميع مقالات

مقالات ذات صلة

إكتب تعليقك

إسمك الكريم * رابط موقعك المُفضل

الأجندة

يوليو 2017
ن ث ع خ ج س د
« يونيو    
 12
3456789
10111213141516
17181920212223
24252627282930
31